الأحد، 18 ديسمبر 2011

الطباعة الرقمية







الطباعة الرقمية


يواجه الباحث في تعريف الطباعة الرقمية معضلة تتمثل في كلمة "رقمية" نفسها، لأن هذه الكلمة لها عدة معاني وعندما تقترن بأي شيء فإنها قد تعني التحول من الطبيعة المادية إلى الهيئة الإلكترونية التي يفهمها الكمبيوتر أو قد تعني التحول من الطبيعة أو الهيئة التماثلية إلى الهيئة الرقمية، ولكن ما الذي نفهمه من عندما نقول الطباعة الرقمية؟ هل أصبحت العملية الميكانيكية عملية إلكترونية بدون حبر أو بدون أجزاء متحركة؟ هل نفهم على سبيل المثال من الطباعة الرقمية مثلا أننا نطبع على ملفات إلكترونية بدلا من الورق كما هو الحال عند تحويل الكتاب الورقي إلى رقمي؟ أو كما هو الحال عند تحويل المستندات إلى ملفات بصيغة PDF الشهيرة التي تجعل من الممكن فتح المستندات بنفس تنسيقها وتصميمها الأصلي على أي حاسب عبر الشبكة أو عبر الإنترنت؟


 باختصار الشديد يمكن القول بأن الطباعة التقليدية تتم عن طريق استخدام ألواح طباعية على مكبس للطباعة، حيث تغطي هذه الألواح الرقيقة المصنوعة من الألمونيوم بطبقة رقيقة حساسة للضوء تماما مثل الطبقة التي تغطي الفيلم الذي يوضع في كاميرا التصوير وبنفس آلية التصوير في الكاميرا تصبح هذه الطبقة بمثابة فيلم أو نيجاتيف بحجم المطبوعة المطلوبة حيث يتم تصوير المطبوعة التي قد تكون مجلة أو صحيفة أو مطوية أو منشور أو كتاب على هذه الطبقة ويتم تحميضها وإزالة بقية الطبقة الحساسة للضوء، حتى لا تتأثر بالضوء مرة أخرى. وبعد ذلك يتم تركيب هذه الألواح التي تحمل الآن صورة سلبية للنص أو المستند المطلوب طباعته على أسطوانة أو عجلة أو بكرة دوارة في مكبس أو مكنة للطباعة، وكلما تدور هذه الاسطوانة، تلتقط الألواح الطباعية الحبر الذي يغطي صورة النص المطلوب ثم تطبعه على الورق. وينبغي أن نذكر هنا أن كلمة صورة في أدبيات الطباعة لا يقصد بها الصورة بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن وهو المعنى الفوتوغرافي، ولكن يقصد بذلك صورة المحتوى الذي قد لا يحتوي على أي صور أصلا وقد يكون نصا فقط كما هو الحال في الكتب والدوريات العلمية الأكاديمية.

 نرجع إلى سؤالنا الأول ماذا تعني كلمة رقمية في الطباعة الرقمية؟ من المعروف أن كلمة رقمية تشير إلى الحقيقة المعروفة بأن كل بيانات الكمبيوتر هي في الأصل وفي الأساس عبارة عن رقمين اثنين فقط هما الصفر والواحد ولكن بتتابعات مختلفة. سنفترض أن لدينا نصا رقميا فمعنى ذلك أنه محفوظ في ذاكرة الكمبيوتر في صورة أصفار وآحاد كثيرة، فبدلا من أن نلتقط صورة للنص أو المحتوى المطلوب طباعته على نيجاتيف، أصبح لدينا الآن ملف إلكتروني يحتوي كل المحتوى المطلوب طباعته سواء كان لصحيفة أو مجلة أو كتاب أو مستند عادي، وهو إما في صورة ملف Word أو PDF أو PostScript.

ما يحدث في الطباعة الرقمية هو أنه يتم توصيل الكمبيوتر أو الحاسب بالطابعة التي تستقبل هذا السيل المتتابع من الأصفار والآحاد التي تمثل النص أو المحتوى المطلوب طباعته، وبفضل التقنية الرقمية أصبحت هذه الطابعات قادرة على فهم هذا السيل من الأصفار والآحاد وترجمته إلى نصوص وأشكال ورسومات يمكن طباعتها. ومن هنا جاءت كلمة طابعة رقمية digital printer بمعنى أنها أصبحت قادرة على فهم وقراءة الأرقام وإعادة تحويلها إلى محتوى يمكن طباعته على الورق المادي. هذا باختصار مفهوم الطباعة الرقمية، التي تشير إلى الوسيط الرقمي بين الحاسب والطابعة التي أصبحت قادرة على التعامل والتحدث بنفس لغة الكمبيوتر، ولكنها في نفس الوقت ما زالت محتفظة بنفس إمكانياتها المكانيكية من حيث وجود الأحبار والاسطوانة والطبقة الحساسة للضوء، وإن كانت طريقة الطباعة اختلفت كثيرا كنتيجة للطباعة لاختلاف طريقة الإدخال أو التغذية.

 تماثل نقاط الحبر الأصفار والآحاد التي يمكن وضعها على الورق بطرق مختلفة، فتكنولوجيا  نفث الحبر على سبيل المثال تنشر نقاط الحبر الضئيلة ذات الحجم المتناهي في الصغر على امتداد الصفحة ثم تعود أدراجها مرة أخرى على نفس الصفحة لمطابقة الأصفار والآحاد في تيار البيانات الرقمية، أما تكنولوجيا الطباعة بالليزر فبدلا من وضع نقاط الحبر على الورق تكتب سطور النقاط على اسطوانة خاصة فائقة الحساسية تلتقط مسحوق الحبر (التونر) على النقاط أو المواضع التي تماثل الآحاد والأصفار ثم تنقل ذلك إلى الورق.

عوامل ازدهار وزيادة أهمية الطباعة الرقمية


تزداد أهمية الطباعة الرقمية وانتشار استخدامها مع ظهور الاتجاهات الحديثة في عالم الطباعة والنشر والاتصالات والحاسوب ومنها:

  • تزايد الاتجاه نحو تنفيذ الأعمال الملونة وقليلة النسخ بسبب الظروف الاقتصادية وسهولة الإنتاج اللوني واقتصاديته.
  • تزايد الاتجاه نحو إنشاء واستخدام شبكات الاتصال ونقل المعلومات الرقمية بين أكثر من جهاز ونظام داخل المكان الواحد وبين مكان وآخر في مختلف أنحاء العالم عبر شبكات الإنترنت والأقمار الصناعية وشبكة ISDN.
  •   ساعدت لغة PostScript والتي ظهرت لأول مرة عام 1985 من شركة Adobe على ربط الأنظمة والأجهزة معا ونقل المعلومات الرقمية بينها بسلاسة وسهولة.
  •    تقدم وانتشار أنظمة النشر المكتبي وأجهزة الكمبيوتر مع زيادة سرعاتها التشغيلية وقدراتها التخزينية.
  •   تقدم أجهزة المسح الإلكتروني والبرامج التشغيلية المختلفة وتوافرها بالأسواق بأسعار مناسبة
  • تقدم وتعدد وسائط التخزين الرقمية مثل الأقراص المدمجة (السي دي) وأقراص الفيديو الرقمي وشرائط السمع الرقمي
  •   زيادة استخدام مكتبات وبنوك الصور الرقمية
  • تزايد الاتجاه نحو استخدام البريد المباشر والتسويق الفردي في الترويج للسلع والخدمات المختلفة
  •   تزايد الاتجاه نحو تحديث مختلف الإصدارات من المكتب والكتالوجات والمطبوعات بشكل أسرع
  •     زيادة عدد العمليات الطباعية التي تصل إلى المطابع على هيئة ملفات رقمية
  • زيادة معدل دوران العمليات الطباعية بحيث يمكن للعميل طلب استلام مطبوعاته بعد عدة ساعات من اعتماده لأمر الطبع.

 الفروق بين الطباعة الرقمية والطباعة التقليدية


إذن يمكن تعريف الطباعة الرقمية ببساطة بأنها نقل النصوص والمحتوى على الورق إلى الطابعة أو مكبس الطباعة بدون أي نظام وسيط مثل طبقة الفيلم أو الألواح الطباعية. وبينما تنتج الطباعة التقليدية الصورة من خلال التصوير الفوتوغرافي وتخزين الصورة على فيلم بينما تقوم الطباعة الرقمية بإنتاج وتخزين الصورة إلكترونيا في الحاسب، تقوم الطباعة التقليدية بطباعة الصفحات الكاملة في نفس الوقت باستخدام لوح طباعي يحمل صورة المحتوى المطلوب للطباعة ويمكنها إنتاج آلاف النسخ من نفس الصورة بسرعة كبيرة للغاية، أما الطباعة الرقمية فتكتب الصورة من خلال سلسلة من صفوف النقاط على الصفحة ويمكن للحاسب أن يرسل تيار مختلف من البيانات للطابعة لإنتاج صورة مختلفة في كل مرة، ومن البديهي أن تساعد الطباعة الرقمية على إرسال البيانات الرقمية لطباعة نفس الصورة في أي مكان وأي وقت.

 من ناحية أخرى، يمكن وصف الفرق بين الطباعة التقليدية والطباعة الرقمية بأن الأولى تحتاج إلى عملية ما قبل الكبس (وضع المحتوى على الورق) مثل طباعة السكرين والطباعة الليثوجرافية ولكن بدلا من ذلك يتم إنشاء صورة الطباعة على الكمبيوتر ويتم نقلها بشكل مباشر إلى جهاز الإخراج (أي الطابعة).

 من الفروق الأخرى التي تميز الطباعة الرقمية عن التقليدية هو العلاقة بني المعدات وآليات الحبر، حيث يتم تصميم أجهزة الإخراج مثل الطابعات النافثة للحبر بنظام للحبر وتزويد الحبر خاص بكل ماكينة، ويختلف نوع النظام والآليات والماكينات المستخدمة حسب اختلاف المنتج نفسه، وتساعد هذه العوامل على الحد من خيارات التبديل بين المنتجات في أغلب الطابعات. فمثلا لا يمكن تركيب خرطوشة الحبر الخاصة بطابعة معينة من إنتاج شركة إتش بي مع طابعة أخرى من إنتاج كانون.
 تشكل خيارات المعدات للطباعة الرقمية من خلال اسطوانة التصوير والأحبار المستخدمة، وأهم التقنيات المستخدمة في الوقت الحالي هي الطابعات النافثة للحبر السائل وأنظمة مسحوق الحبر الجاف/المبلل والطابعات النافثة للحبر الجافة والطابعات بالنقل الحراري والطابعات بتقنية التصوير الفوتوغرافي. وقرار تحديد استخدام الطباعة الرقمية بدلا من الطباعة التقليدية يعتمد على عدد النسخ المطلوب طباعتها وسرعة الطباعة على جهاز الطباعة.

هناك تعليق واحد: